صبحي الصالح

108

مباحث في علوم القرآن

الحديث بالمعنى ، إذ « القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان ، فالقرآن هو الوحي المنزل على محمد صلّى اللّه عليه وسلم للبيان والاعجاز ، والقراءات هي اختلاف ألفاظ الوحي المذكور في كتبة الحروف أو كيفيتها من تخفيف أو تثقيل أو غيرهما » « 1 » . فإذا صح أنه عليه السلام وسع على المسلمين في أول الأمر ، وراعى التخفيف على العجوز والشيخ الكبير « 2 » ، وأذن لكل منهم أن يقرأ . على حرفه ، أي على طريقته في اللغة ، لما يجده من المشقة في النطق بغير لغته ، فليس معنى هذا أنه كان يأذن لهم بإثبات هذه القراءات وكتابتها على أنها حروف نزل عليها القرآن . وإذن ، فما كانت توسعته عليه السلام في هذا النوع من القراءة إلا تخفيفا على بعض الأفراد في حالات خاصة ، وأما ما أذن فيه من هذه الحالات بإثباته وأقرّ كتبة الوحي عليه فهو محفوظ بطريق التواتر في أحرف قليلة معدودة يرفض ما عداها ولو جاء من طريق صحيح آحادي ، لأن التواتر شرط في إثبات القرآنية « 3 » . فتعميم هذه الحالات الفردية على جميع الأحرف السبعة ، كأنها ضرب من القراءة بالمعنى ، لا يمكن أن يقتصر عليه في فهم الحديث . وإذ لم يصحّ الاقتصار على أحد تلك الآراء السابقة فقد بدا لنا أن استقصاء الممكن منها ، وهو الذي لا يعارض النقل والعقل ، ربما كان أصوب الآراء وأبعدها عن الإفراط والتفريط : فالمراد من هذه الأحرف السبعة - واللّه أعلم - الأوجه السبعة التي وسع بها على الأمّة ، فبأي وجه قرأ القارئ منها أصاب . ولقد كاد النبي صلّى اللّه عليه وسلم يصرح بهذا كل التصريح حين قال : « أقرأني جبريل على حرف ، فراجعته فلم أزل أستعيده حتى انتهى إلى

--> ( 1 ) البرهان 1 / 318 وانظر الاتقان 1 / 138 . ( 2 ) ويشهد لذلك - كما يقول الزركشي - « ما رواه الترمذي عن أبي بن كعب أنه لقي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جبريل فقال : « يا جبريل ، إني بعثت إلى أمة أميين ، منهم العجوز ، والشيخ الكبير ، والغلام ، والجارية ، والرجل الذي لم يقرأ كتابا قط » . فقال : يا محمد ، إن القرآن أنزل على سبعة أحرف » وقال : حسن صحيح ( انظر البرهان 1 / 227 ) . ( 3 ) انظر البرهان 2 / 125 معرفة وجوب تواتره .